ابن الجوزي
143
زاد المسير في علم التفسير
الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ( 54 ) قوله تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) اختلفوا أي يوم بدأ بالخلق على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يوم السبت . روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ، فقال : " خلق الله عز وجل التربة يوم السبت ، وخلق الجبال فيها يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق ، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " ، وهذا اختيار محمد بن إسحاق . وقال ابن الأنباري : وهذا إجماع أهل العلم . والثاني : يوم الأحد ، قاله عبد الله بن سلام ، وكعب ، والضحاك ، ومجاهد ، واختاره ابن جرير الطبري ، وبه يقول أهل التوراة . والثالث : يوم الاثنين ، قاله ابن إسحاق ، وبهذا يقول أهل الإنجيل . ومعنى قوله : ( في ستة أيام ) أي : في مقدار ذلك ، لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس وغروبها ، ولم تكن الشمس حينئذ . قال ابن عباس : مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة ، وبه قال كعب ، ومجاهد ، والضحاك ، ولا نعلم خلافا في ذلك . ولو قال قائل : إنها كأيام الدنيا ، كان قوله بعيدا من وجهين : أحدهما : خلاف الآثار . والثاني : أن الذي يتوهمه المتوهم من الإبطاء في ستة آلاف سنة ، يتوهمه في ستة أيام عند تصفح قوله : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) . فإن قيل : فهلا خلقها في لحظة ، فإنه قادر ؟ فعنه خمسة أجوبة : أحدها : أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمرا تستعظمه الملائكة ومن يشاهده ، ذكره ابن الأنباري . والثاني : أن التثبت في تمهيد ما خلق لآدم وذريته قبل وجوده ، أبلغ في تعظيمه عند الملائكة . والثالث : أن التعجيل أبلغ في القدرة ، والتثبيت أبلغ في الحكمة ، فأراد إظهار حكمته في